الجمعة، 29 يناير 2010

عصابه

«الدين، هذا النفق الذي يسلكه الجميع لتبرير الغايات النبيلة والحقيرة، يسلك طريقه الجميع للوصول إلى مقر المصنع الخلفي، حيث تفصل وتطرز الملبوسات لارتدائها في المناسبات التي تحتاج إلى الوجوه الصقيلة والعابسة. ولكل تصميم طريقة وحركة». عبدو خال من روايته «ترمي بشرر».
ونفقنا في الكويت أعمق وأظلم وأكثر رطوبة، نفق ذو حارتين، واحدة للدين والأخرى للوحدة الوطنية، يسلكه الجميع على متن سيارات فارهة تعمل على مادة نفطية نفاذة، يبدو أن استمرار استنشاقها، جعلنا جميعاً في حالة انتشاء تعمي الأبصار. ليس لدينا طوائف دينية، الطوائف والتنوعات الدينية موجودة في أميركا ودول أوروبا، حيث تتباين توجهاتهم، من حيث دور عبادتهم، ومن حيث المواد الثقافية والأبحاث العلمية والكتب المتعددة المنشورة حول التوجهات الروحانية والأصول الاجتماعية والسياسية والثيولوجية للطوائف والأديان المتعايشة في المجتمع، مواد تتنوع بين التعبدي الروحاني، إلى العلمي، إلى النقدي القاسي الساخر، إلى البحثي التاريخي الذي يرمي إلى مصنّعيه الأديان على يدي الإنسان. تلك هناك.. بعيداً.. هي طوائف دينية فيها تعبد، وفيها تفاعل مع أغلب التوجهات الفكرية في المجتمع المتدين منها والإلحادي.
أما في بقعتنا المظلمة فلدينا مافيا دينية طائفية. لدينا حوار.. بالكلاشينكوف والأحزمة المتفجرة. لدينا بحث علمي.. يقدس ويبجل، بل ويعبد رموزا مضت، لدينا نقد قاس وساخر فقط للطائفة المقابلة في محاولة لتسيّد الموقف والارتكاز على درجة الفرقة الناجية، رافعين كأس الانتصار المملوءة بالدم، بحث تاريخي.. طبعاً، فالتاريخ الإسلامي صفحات ناصعة البياض، ومن يجرؤ على قول غير ذلك فليلته حمراء، ونهاره أسود، بإذن نمور الفضيلة وبمشيئة فهودها. مافيا قوية مدعمة مادياً مشتبكة مصالحها مع مصالح أكبر عصابات العالم الدينية والشمولية السياسية والديكتاتورية الحاكمة. تشابكت المافيا الدينية عندنا مع مصالح نيابية، فتم تقسيم العمل: «نحن ندافع عن الدين وأنتم تدافعون عن الوحدة الوطنية»، حصار ينذر بالوبال، يتجلى على أرض الواقع بتصرفات مافيوية هي ديدن عصابات، وليست أسلوبا حضاريا لإدارة دولة عصرية، بلطجة تظهر لعيان المجتمع الدولي في سلسلة الطرد التي تشابكت وتوالت بشكل مخجل، من الفالي إلى أبو زيد إلى العريفي، وسلسلة «القبض» التي يبدو أنها بدأت بالجويهل، بطريقة هوليوودية مثيرة، إلى ما سيتبعها من إلقاء نصف أبناء الوطن وزائريه في السجون على حس قانون المطبوعات المعدل و«ضوابط وشروط» دخول الكويت المقترحة من 22 نائباً على ذمة القبس 21 يناير.
تلك ليست قوانين وضوابط بلد متحضر، منضو تحت منظومة العالم المدني الراقي، تلك ضوابط حرب. إنها قواعد اقتتال، تحريض سافر للشعب بطوائفه وتوجهاته السياسية والفكرية على بعضه البعض. فعندما يشرع ممثلو الأمة لضوابط قمعية وعقوبات قاسية مرعبة ترمي لتكميم الأفواه، وقمع الرأي، وحجب العقل، ومنع الفكر من الدخول الى البلد، أو الخروج من عقول الناس الى النشر، ذاك منحى لا يرمي إلا الى تشكيك الناس بعضهم ببعض، وتخريب النوايا وتعزيز القراءة السلبية لكل ما يطرح أو ينشر.
كلما كتب مقال سنفكر، هل المقصود طائفة معينة؟ هل هناك إشارة لصحابي معين، أم تشكيك لفكر ديني محدد أم هي نية مبيتة للمساس بالذات الإلهية؟ كلما أذيعت مقابلة نتهامس، من المقصود، هذا النائب أم ذاك، هل هي إشارة لدولة صديقة، أم المقصود رئيس الوزراء أم «رمز آخر» من رموز البلاد؟
القوانين والضوابط الجديدة ستجعلنا في حالة تقص للمقصود دوماً، وفي حالة إثارة لقراءة ما بين السطور، سنحمّل الكلام ما لا يحتمل، وسنخلق طابورا فكريا خامسا تحت الأرض، سيكون له وقع أشد ضرراً، وأثر أكثر فداحة من أي فكر، مهما بلغت شدته النقدية السياسية أو الدينية، يكون ظاهراً تحت الشمس.
تلك والله مافيا، إنه أسلوب عصابات وليس تقنينا دوليا. إنها نهاية للتعايش السلمي الذي يشكل الاختلاف في الرأي، بل والخلاف الفكري والثقافي حول هذا الرأي، جزء لا يتجزء من منظومته السلمية. إنه تقنين للالتفاف حول القانون، فالأفواه لن تُكمّم، ولكنها ستجد منافذ أخرى حول، وعبر، وفوق، وتحت القانون. وستبدو المافيا عندها ساذجة ضعيفة معدومة الحيلة أمام المافيا الشعبية التي خلقتها بنفسها.
تريدون الاستقرار؟ إنه يكمن في المزيد من الحريات ولا شيء غير ذلك. إنها قراءة صادقة في التاريخ البشري وليست محاولة للاصطدام بالرأي السائد: لا تجدي أي محاولة لتكميم الأفواه، فلو قنّن مشرعونا هنا فسجنوا نصف أهل الكويت، وأرعبوا نصفهم الآخر، سيصل الحديث من الخارج، سيصل نقد لرموز البلد ولسياساتها، للمسيرة الدينية ورموزها، بل وللدين كفكر فلسفي وللذات الإلهية، سيصل نقد جاد وراق، وسيصل نقد ساذج وشتم ورخيص، فما أنتم فاعلون؟ هل ستقننون لإخراس العالم؟ إن هذا الأسلوب البالي في التحكم بنوعية المعلومة التي تصل للمجتمع سواء كانت معلومة دينية أم اجتماعية أم سياسية كان ناجعاً في وقت مضى، حيث تمكنت بعض الأنظمة الشمولية القمعية من توجيه فكر المجتمع وتضليله وتحوير آرائه طبقاً لمصالحها الشخصية ولما يخدم أغراضها.
اليوم، هذا التوجه في ظل الثورة المعلوماتية وثورة الاتصالات، لم يعد ناجعاً مطلقاً، بل بات يظهر مترهلاً ساذجاً خرف المنطق، متغضن المظهر. وفوق ذلك، وإذا ما وجد فرصة، فهو منطق خطير جداً في اعتماده على الحجب وليس التفنيد، فإذا ما تسربت معلومة «مختلفة» للمجتمع المقموع، تجد أفراده يثورون بوقع هستيري، هو عارض لقمعهم وجهلهم بطريقة التعامل النفسية والمجتمعية الراقية والمتحضرة مع المعلومة، كما حدث عندنا وللأسف الشديد في أكثر من مناسبة محلية وإقليمية.
نعم، لم تعد البلطجة الإعلامية ناجعة، بل أصبح الحل المنطقي الإلزامي كامناً في تغيير النفس، في تطوير طريقة استقبالنا للمعلومة وطريقة تعاملنا معها، فليس لنا من سلطة إلا على أنفسنا، لن نتمكن يوما من إخراس الألسن، ولو مشينا بمشرط حاد وقلبنا الدنيا مجزرة، فأقصى ما سنجني هو كمية «لسانات» دامية ستفوح رائحتها مع الزمن. إنما النهج الصحيح هو في أن نفتح عقولنا ونثقف أنفسنا لاستقبال المعلومة، فنحسن فهمها والتعامل معها. الحل إذن يكمن في تأهيل الناس سياسياً ودينياً واجتماعياً، وهو تأهيل يختلف تعريفه حسب التوجهات، والاختلاف في التعريف يفتح باب المنافسة الفكرية الشريفة. فالمنظمات الدينية ستؤهل بطريقة تختلف عن المنظمات المدنية، وتلك مختلفة عن المنظمات الإنسانية الشعبية وغيرها، فيجد كل فرد ما يناسبه، ويتنافس المجتمع تنافسا فكريا شريفا حرا. هكذا يكون التعايش، وليس بأي وسيلة أخرى. منطق «الكبوني» هذا لن يجدي نفعاً في عالم اليوم، فالكويت دولة مدنية لا يمكن إدارتها بالقوانين العرفية لحراس الدين والوحدة الوطنية، الذين، ويا لسخرية القدر، اتحدوا على آخر الزمن.

هناك تعليق واحد:

  1. ما الفائدة المرجوة او المتوقة بانسان مستمتع بقيدة؟
    على الاقل ام كلثوم شكت قيدها لأنها ماعلمت لمنن تبقيه؟ وما ابقى عليها! اما نحن فلا .. نستمتع بالقيود لأننا اضحينا شعب مازوشي.
    يا ابتهال وترانيم الخير والنور ماذا تتوقعين من امرأة تؤمن ان تعدد الزوجات ولفها بالاسود ووصفها بالنقص العقلي والديني تكريما لها؟
    كيف سنستطيع ان نقنع من يعانون الالفلونزى بسبب تقصير ثوبهم - كي يدخلوا الجنة آمنين- ومن يتقرب لله بطقوس مليئة بالدماء، كيف سنقنعهم بأن من لا يتبعهم يستحق ان يُحترم وان يُجالس ويسامر ويبتسم بوجهة ؟

    كان الاجدر بهؤلاء ان يرحموا انفسهم وان يحترموها، فأنا لنا ان نقنعهم باحترام الآخر ورحمتة؟
    ربما نحتاج قراءة واعادة نظر في مفاهيم سائدة واصبحت مع مرور العصور مسلمات لا تقبل النقاش، حتى انها منزهة عن التفكير.
    ليست القضية في رأيي بمن يضع نفسه ممثلا للدين، بل فكر المتوارث جينيا وليس اجتماعيا فقط بأن نقاتل كل من لا يؤمن بايماننا حتى يدفع لنا ضريبة -اعتقادة الحر- وهو صاغر وذليل.
    راشد عبدالعزيز

    ردحذف