الجمعة، 29 يناير 2010

جلي

لا خطر علينا سوى منا، لا يتربّص بنا سوى أنفسنا. ليس هناك خطة منظمة لهدم وحدتنا، هناك «نحن»، ونحن من سيهدمنا ويفتّ في عضد تركيبتنا الاجتماعية. نحن، بطبيعتنا البشرية، مختلفون، وعدم قبولنا بالاختلاف هذا، ومحاولاتنا المستمرة لتوحيد لوننا وتنظيم صفنا في طابور طويل، وطي عقلنا في منظومة فكرية واحدة، هي ما سيعدم وجودنا ككتلة شعبية متماسكة. التماسك لا يعني التشابه، فالأقطاب المتشابهة تتنافر، التماسك يعني تمازج المختلف وتجاذبه بسبب اختلافاته، واحترامه بل وتقديسه لهذه الاختلافات.
نحن خطر على أنفسنا في محاولاتنا المستمرة «لتطبيع» الفكر واستنساخ الفعل وحتى «كربنة» الشكل، في سعينا الحثيث لأن نفرض أفكارنا على بعضنا البعض ولأن نقصي أي «دخيل» يحمل فكرة مختلفة. نخاف نحن دوماً من المختلف، فهذا المختلف، جيد أو سيئ، طيب أو شرير، يبقى «مختلفاً»، أي خارج الصف، ونحن نحب الصف مرتباً كطابور النمل، لا نحيد عنه، وولاة الأمر يحبون الانتظام في الصف، فهو يساعدهم على رؤية الجميع وتنظيم تحركهم.
السيد محمد الجويهل ليس خطراً ولا لعنة، ولا يرقى حتى لأن يكون مشكلة، ولا أعتقد حقيقة أنه هو نفسه متصور معنى ما يقول أو متفهم لمترتباته، فمن زاوية هو رجل مضحك، ومن زاوية أخرى هو رجل يثير الرثاء. الخطر يكمن في ردة فعلنا، واللعنة ساكنة في خوفنا، خوفنا من ضعف نعتقده وتفكك نتوقعه في نسيجنا الاجتماعي.
ولو كان ذلك حقيقيا، لو كان نسيجنا بهذه الرقة والضعف، فنحن في مصيبة لا يرقى محمد الجويهل الى مستوى تسبيبها، فهذه مصيبة تحتاج لتكاتف شعب كامل في التخاذل والضعف والخوف لنصبها فوق الرؤوس. سيذهب الجويهل وسيأتي غيره، ولو تكممت كل الأفواه الكويتية، ستنطلق أفواه خارجية، فما العمل؟ أكلما تحدث إنسان بشيء من قائمة ممنوعاتنا طاردناه ونصبنا له المحرقة ثم جلسنا أسفلها ننعى وحدتنا ونولول فوق جثتها؟ مصيبة، تلك والله مصيبة، فالضعفاء والمتخاذلون والأبواق المشتراة والجهلاء يملؤون الدنيا، أكلهم يتهددون «اللحمة الكويتية»؟ كلهم خطر محدق بوطنيتنا؟ يا للهول؟ ما العمل؟ لا بد أن نحرق كل البشر وننسف كل الشجر ونحز الرقاب ونجز الألسنة، حتى لا يتحدث إنسان بما يمسّنا، بل ينتظمون جميعاً في مقولة إننا خير أمة خليجية أخرجت للناس، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ولا نزدوج في الجنسية ولا نختلف في العرقية ولا نتنابز في الطائفية، حلوين كلنا ونحب بعضنا ومن يقول بغير ذلك، حقاً قال أم باطلا، عدلاً قال أم جهلاً، فسيكون مكانه جهنم أعدت للناقدين. لقد استمعت لشيء مما قال الجويهل، والحق يقال لم أنتبه كثيراً لما جاء في حديثه، فالرجل كان «ما بيجمعش» يحكي وينفي ويعود يحكي، ما فهمت منه شيئاً، ولكن جذبتني حركاته وأداؤه المسرحي المضحك وهو يمتشق سيف البطولة، الذي سلمه إياه البعض عن طيب خاطر بردة فعلهم المبالغ بها، ويعلو صهوة حصانه، متجهاً بلا شك، إلى صناديق الانتخابات التي سيعلو شأنه فيها بسبب ضجتنا وزعلتنا و«زعرنتنا» في التعامل مع حديثه.
لو أن الجويهل خطر علينا، فأنا أول من يشهد أننا في مصيبة، وأن وحدتنا الوطنية وهم، وتماسكنا ليس إلا تماسك طبق من «الجلي» في عز الظهيرة، لو أن الجويهل خطر علينا أو أننا نعتقده كذلك، فنحن في مشكلة اجتماعية ثقافية حقيقية تشكل خطرا كبيرا ليس على تلاحمنا الشعبي فحسب، ولكن في الواقع على استمراريتنا كبشر. الجويهل آخر همومنا وأبسط مشاكلنا، مشكلتنا الحقيقية هي نحن، فلننظر.. هل وحدتنا هشة لهذه الدرجة، أم تفكيرنا مستريب بهذا الشكل المرضي، أم هم «جماعة» يؤلبوننا على كل «مختلف» فيوهموننا بهشاشة وحدتنا لنعود فننتظم في الصف ونطيع الأوامر؟ الجويهل على طريق القانون، ستتقطع قدماه وهو يمشي في هذا الطريق الوعر على الحفاة، والحديث عن أن خلفه سندا وقوة حديث لا طائل منه وليس له وزن في القانون، فلو كان هناك دليل، فخير على خير، وليذهب الجويهل وسنده في داهية، وإن لم يكن، فليس بالإمكان محاسبة النوايا أو اعتماد الأقاويل. إنه جمال المنطق القانوني الذي يُغلّب الانضباط في الأحكام والالتزام بالنصوص على القيل والقال مهما بلغت درجة ثبوتهما، فتحرير ألف مذنب ولا ظلم إنسان بريء واحد، ذاك هو المنطق القانوني، وذاك هو ما يجب اعتماده في قضية الجويهل.
إنه نحن، نحن الخطر، فلنحمِ أنفسنا من خوفنا، ولنختلف، فالاختلاف صحة، ولنتنوع، فالتنوع فيه استمرار وحياة، والتنوع يعني الجيد والرديء ومن تزِد درجة رداءته فالقانون له بالمرصاد، وتلك يجب أن تكون نهاية قصة الجميلة «الوحدة الوطنية» والوحش «الجويهل».
في برنامج «نظرة شرعية» الذي تم بثه يوم الجمعة الماضي الساعة الواحدة ظهراً باستضافة الدكتور محمد العوضي في حلقة عنوانها «التنوير في التزوير» حول موضوع زيارة د. نصر حامد أبو زيد للكويت، وبخلاف قلة اللياقة في العنوان، ووصف الدكتور العوضي للدكتور أبوزيد «بالغبي» وغيرها من الأوصاف والألفاظ التي أصبحت ملازمة لخطاب الدكتور العوضي منذ فترة، نوّه المذيع بأنه تم الاتصال بي ولكنني رفضت التعليق بالرغم من دعوتنا، كما قال، لمواجهة الفكر بالفكر، في تلميح واضح لجبن مني وإعراض عن المواجهة.
ويبدو أن المذيع سها، كما تسهو قناته كثيراً، فلم يذكر السبب الحقيقي الذي أكدته أنا وأؤكده دوماً عندما تطلبني القناة لأي ظهور إعلامي معها: أنا أختلف مع قناة الوطن فكرياً وأخلاقياً ولذا أرفض الظهور فيها. وفي الواقع ليس لدي خوف من المواجهة لسبب بسيط لا علاقة له بادعاء الشجاعة، أنا لا أدافع عن فكر الدكتور أبو زيد، ففيه ما يروقني وفيه ما أختلف حوله بشدة، أنا أدافع عن حريته في إبداء هذا الرأي مهما اختلف، بل لأنه تحديداً يختلف مما يجعل من الاستماع له وتفنيده ضرورة ملحة. لذا، ليس هناك ما أخشاه من المواجهة، لأنني
لا أنويها مواجهة نقدية لبحوث الدكتور، بل هي مواجهة مبدئية حول حرية الرأي.
فالرسالة إذاً لصاحب برنامج «نظرة شرعية» أن من متطلبات «القول الشرعي» أن تصدق في توصيل الرسالة يا أخي، أو تكتمها بمجملها، لا أن توصلها نص نص خدمة لرأيك، الحقيقة يجب أن تكون كلها عارية، لا كاسية عارية، الله يسلمك.

هناك تعليقان (2):

  1. الحقيقة العارية تخدش حياء محمد العوضي او نبيل او كل متدين او ساعي لنشر القانون المتدين.
    الحياء الذي اعني ليس صفة محمودة بهذا الموقف فهو اقرب للخجل من خطأ ارتكب.
    أسمعت إذ ناديت يا ابتهال الحق .. لكن لا حياة لمن تنادين.
    إلا انني اعتقد ان الجويهل له كل الحق في سياسة الفضح المُمارسة من قبلة لقضيتة .. قضية مصاصي دماء الوطن، والنسيج الاجتماعي فعلا هش، كبيت العنكبوت إلا ان بيت العنكبوت لاتخترقه ذرات الغبار بينما حجم الرقع في نسيجنا تتسع لفيلة، وسبق ان ذكرت في احد التعليقات اليوم تحت اسم ( مجهول ) -لأني لم اكن مسجلا في هذه المدونة الجميلة قبل الآن- ذكرت ان العقل الدخيل لم يُعتق جينيا بما يكفي لممارسة الديمقراطية برقي. اعني من اسميتميهم رحالة.
    وشكرا على جهد المدونة وإلى مزيد من النشر والتنوير .. ربنا يحفظج
    وشكرا

    ردحذف
  2. بالمناسبة نسيت ان اذكر باني قد اكون مؤيد لقضية تفعيل القانون ضد المزدوجين التي تناولها الجويهل .. إلا ان لدي تحفظات كبيرة ضد اسلوبة .. وشكرا

    ردحذف